ابن الأثير
326
الكامل في التاريخ
فلمّا عبر الفرنج إلى ارض دمياط اجتمعت العرب على اختلاف قبائلها ، ونهبوا البلاد المجاورة لدمياط ، وقطعوا الطريق ، وأفسدوا ، وبالغوا في الإفساد ، فكانوا أشدّ على المسلمين من الفرنج ، وكان أضرّ شيء على أهل دمياط أنّها لم يكن بها من العسكر أحد لأنّ السلطان ومن معه من العساكر كانوا عندها يمنعون العدوّ عنها ، فأتتهم هذه الحركة بغتة ، فلم يدخلها أحد من العسكر ، وكان ذلك من فعل ابن المشطوب ، لا جرم لا يمهله اللَّه ، وأخذه أخذة رابية ، على ما نذكره إن شاء اللَّه . وأحاط الفرنج بدمياط ، وقاتلوها برّا وبحرا ، وعملوا عليهم خندقا يمنعهم ممّن يريدهم من المسلمين ، وهذه كانت عادتهم ، وأداموا القتال ، واشتدّ الأمر على أهلها ، وتعذّرت عليهم الأقوات وغيرها ، وسئموا القتال وملازمته ، لأنّ الفرنج كانوا يتناوبون القتال عليهم لكثرتهم ، وليس بدمياط من الكثرة ما يجعلون القتال بينهم مناوبة ، ومع هذا فقد صبروا صبرا لم يسمع بمثله ، وكثر القتل فيهم والجراح والموت والأمراض ، ودام الحصار عليهم إلى السابع والعشرين من شعبان سنة ستّ عشرة وستّمائة ، فعجز من بقي من أهلها عن الحفظ لقلّتهم ، وتعذّر القوت عندهم ، فسلّموا البلد إلى الفرنج ، في هذا التاريخ ، بالأمان ، فخرج منهم قوم وأقام آخرون لعجزهم عن الحركة ، فتفرّقوا أيدي سبا . ذكر ملك المسلمين دمياط من الفرنج لمّا ملك الفرنج دمياط أقاموا بها ، وبثّوا سراياهم في كلّ ما جاورهم من البلاد ، ينهبون ويقتلون ، فجلا أهلها عنها ، وشرعوا في عمارتها وتحصينها ، وبالغوا في ذلك حتّى إنّها بقيت لا ترام .